الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

145

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقرأ نافع ، وأبو جعفر : آتينكم - بنون العظمة - وقرأه الباقون آتَيْتُكُمْ بتاء المتكلم . وجملة قال : أَ أَقْرَرْتُمْ بدل اشتمال من جملة أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ . والإقرار هنا مستعمل في معنى التحقيق بالوفاء مما أخذ من الميثاق . والإصر : بكسر الهمزة ، العهد المؤكد الموثق واشتقاقه من الإصار بكسر الهمزة وهو ما يعقد ويسدّ به ، وقد تقدم الكلام على حقيقته ومجازه في قوله تعالى : رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً في سورة البقرة [ 286 ] . وقوله : فَاشْهَدُوا إن كان شهادة على أنفسهم فهي بمعنى التوثق والتحقيق وكذلك قوله : وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ كقوله : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [ آل عمران : 18 ] وإن كانت شهادة على أممهم بتبليغ ذلك الميثاق فالمعنى فاشهدوا على أممكم بذلك ، واللّه شاهد على الجميع كما شهد النبيئون على الأمم . وقوله : فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ أي من تولّى ممن شهدتم عليهم ، وهم الأمم ، ولذلك لم يقل فمن تولّى بعد ذلك منكم كما قال في الآية التي خوطب فيها بنو إسرائيل في سورة المائدة [ 12 ] : فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ . ووجه الحصر في قوله : فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أنه للمبالغة لأنّ فسقهم في هذه الحالة أشد فسق فجعل غيره من الفسق كالعدم . [ 83 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 83 ] أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 83 ) تفريع عن التذكير بما كان عليه الأنبياء . والاستفهام للتوبيخ والتحذير . وقرأه الجمهور تبغون بتاء الخطاب فهو خطاب لأهل الكتاب جار على طريقة الخطاب في قوله آنفا : وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ [ آل عمران : 80 ] وقرأه أبو عمرو ، وحفص ، ويعقوب : بياء الغيبة فهو التفات من الخطاب إلى الغيبة ، إعراضا عن مخاطبتهم إلى مخاطبة المسلمين بالتعجيب من أهل الكتاب . وكله تفريع ذكر أحوال خلف أولئك الأمم كيف اتبعوا غير ما أخذ عليهم العهد به . والاستفهام حينئذ للتعجيب .